الرأي , خلني أقول لك

تقرير “أصحاب الهوى”

طارق إبراهيم

رئيس التحرير ، ومستشار إعلامي.. وسابقا: رئيس تحرير صحيفة (الوطن) السعودية، ورئيس تحرير مجلة (الأسرة) ، ورئيس تحرير صحيفة (الوفاق) الإلكترونية.

لو كان الأمر بيدي لأمرت بفتح تحقيق عاجل مع المشاركين في إعداد وصياغة التقرير الأخير للمفوض السامي لحقوق الإنسان في اليمن، وذلك  لارتكابهم  ثلاثة أخطاء فادحة، أفقدت التقرير مصداقيته، ووضعت الأمم المتحدة في مرمى الاتهام الصريح بالانحياز لجماعة إرهابية تنكل بشعبها لصالح قوى خارجية شريرة.

أما الخطأ الأول، فهو اعتماد التقرير شبه المطلق على السرد الكاذب للميليشيا المتمردة ، حتى أن المرء يكاد يظن أنه صادر عن وحدة الإعلام الحربي الحوثية  التي تتلقى أوامرها من طهران، وليس عن أكبر هيئة دولية مهمتها ضمان السلم والأمن الدوليين وحماية حقوق الإنسان، والتصدي لمثل هذه العصابة التي حولت حياة شعبها إلى جحيم.

ويتلخص الخطأ الثاني في افتقاد التقرير لأبجديات العمل الحقوقي، التي تقضي – خاصة عندما يتعلق الأمر بمهام تقصي الحقائق- بوجوب التعرف على وجهات نظر جميع الأطراف، ثم  عرضها، بنفس الدرجة من الاهتمام، قبل الوصول إلى خلاصات ذات طابع موضوعي، تساعد في إنهاء الأزمات، لا منح المتهم فيها الفرصة للإفلات من عقاب يستحقه.

افتقد التقرير لأبجديات العمل الحقوقي، التي تقضي – خاصة عندما يتعلق الأمر بمهام تقصي الحقائق- بوجوب التعرف على وجهات نظر جميع الأطراف.

ولعل قارئ التقرير لا يخالفنا الرأي، عندما نقول إن ما ورد به يسئ في المقام الأول إلى الأمم المتحدة، التي سمحت بمروره بهذا المستوى الردئ من حيث اللغة و المنهج ، اللهم إلا إذا كان ذلك مطلبًا للبعض من أجل تحقيق أهداف سياسية ، تبدأ بالخلط الجائر بين الأوراق، والتلميع المتعمد لوجوه شاهت من كثرة جرائمها، وبات بقاؤها قرينًا بالخراب والدمار و الدماء والدموع.

ويتمثل الخطأ الثالث في  تجاهل التقرير لما استقر عليه المجتمع الدولي، فضلًا عن الشعب اليمني في تعامله مع الميليشيا المتمردة، فبدلًا من الحديث عنها كقوة تدمير خارجة عن الإجماع الدولي،  اعتمد  التقرير ومفرداتها وسردها العام للأحداث، دون أن يأخذ في اعتباره وجود حكومة شرعية يفترض – في أقل تقدير-  أن يستمع العالم لرأيهاـ ويقدم لها الدعم و المؤازرة، حتى تتمكن من استعادة سلطتها على الأرض، تمهيدًا لتقديم العون والحماية لضحايا الحصار والتجويع المستمر منذ أربع سنوات.

باختصار،  ساوى التقرير، بين جماعة متمردة – وفق ما أقرته الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات ذات الصلة في عديد المناسبات – من جهة والحكومة الشرعية المعترف بها شعبيًا ودوليا وإقليميا من جهة ثانية، و الأدهى أنه أخذ من روايات المتمردين على الشرعية ما يجعلهم  يظهرون كضحايا، بدلًا من التعامل معهم كمجرمين مسؤولين عن المحنة الإنسانية التي تتفاقم في مناطق سيطرتهم .

ساوى التقرير، بين جماعة متمردة – وفق ما أقرته الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات ذات الصلة في عديد المناسبات – من جهة والحكومة الشرعية المعترف بها شعبيًا ودوليا وإقليميًا.

وبدلًا من التأكيد على أن الانقلاب على الشرعية هو أصل الداء، كونه فتح الطريق لقوى الهيمنة الطائفية للتغلغل في أنحاء البلاد والعصف بحقوق الإنسان بمختلف فئاتها، وصولًا إلى التجويع الجماعي للمدنيين واستخدامهم كوقود في المعارك أو في أحسن الأحوال كدروع بشرية، تحدث التقرير عما سماه  انتهاكات يرتكبها التحالف  العربي وقوات الحكومة الشرعية، دون أن يقدم دليلًا  موثقًا  يدعم به  هذه الاتهامات المرسلة.

بالمثل؛ تجاهل التقرير أن اشقاء الشعب اليمني وجيرانه، وفي مقدمتهم السعودية  لم يتدخلوا عسكريًا، إلا بطلب من الحكومة المعترف بها دوليًا، وذلك من أجل إنقاذ اليمنيين جميعًا من بطش الميليشيا و دمويتها وسعيها المحموم لخدمة مخططات خارجية شريرة، وليس للتوسع أو السيطرة ، كما يفعل الأخرون، وتحديدًا إيران، التي باتت – بدعمها المتواصل للإرهاب – شريك رئيس في الجريمة الحوثية.

والحق أن هذا الخلط  السافر بين الحق والباطل، يشي، بسوء نية مبيت لدى القائمين على التقرير، والشاهد على ذلك هو تجاهلهم لما قدمته السعودية ودوّل التحالف العربي من مبادرات إنسانية لليمن، مقابل ميلهم إما لترديد الادعاءات الحوثية أو بتصيد الأخطاء وتضخيمها، دون تقديم الوجه الأخر، شديد القتامة، الذي تمثله ممارسات الميليشيا الانقلابية، بما في ذلك استهدافها للمدنيين السعوديين داخل مدنهم الآمنة.

الخلط السافر بين الحق والباطل، يشي، بسوء نية مبيت لدى القائمين على التقرير، والشاهد على ذلك هو تجاهلهم لما قدمته السعودية ودوّل التحالف العربي من مبادرات إنسانية لليمن.

لقد جوعت الميليشيا سكان محافظة الحديدة ، عندما فرضت حظرًا على وصول المساعدات الإنسانية إليهم، متصورة أن ذلك سيضعفهم في مواجهتها، وكان طبيعيًا أن تنتصر قوات الشرعية اليمنية لشعبها، فخاضت في سبيل ذلك سلسلة من المعارك الباسلة، التي حظيت بدعم بقية اليمنيين،  غير أن تقرير المفوض السامي اختار أن يطلق على ذلك كله وصف “العدوان”، وكأنه ينطق باسم الميليشيا، أو على الأقل بلسان مناصريها في طهران والدوحة و الضاحية الجنوبية لبيروت.

يؤكد هذه  المفارقة أن التقرير يصف الحوثيين بأنهم “سلطة الأمر الواقع” ، دون أن يشير إلى مسماهم المعتمد دوليًا وهو الانقلابيين، وكأنه يريد بذلك أن يفتح لهم  الطريق للإفلات من العقاب، وربما الانخراط في ترتيبات ما بعد  الحرب. والأدهى أن التقرير اعتمد من أجل تمرير هذا الهدف  على  بيانات مغلوطة روجها الإعلام  الحوثي، دون أن يحاول التحقق منها أو حتى مراجعتها تحريًا للدقة، واحترامًا لحق العالم في الحصول على معلومات صادقة.

في المقابل،  تغاضى التقرير عن ذكر الدعم السعودي للجهود الإنسانية الدولية ، والتنسيق الدائم مع المنظمات الإغاثية وتسهيل عمل أطقمها وحمايتهم في مختلف مناطق المواجهات، ناهيك طبعًا عما قدمته المملكة ولا تزال من مساعدات ضخمة للأشقاء اليمنيين، حيثما وجدوا. وعلى ما يبدو فإن هذا الإنكار يتصل بالهدف السياسي غير المعلن للتقرير، بل ربما أجازف وأقوله إنه قد يكون  في ذاته الهدف.

تغاضى التقرير عن ذكر الدعم السعودي للجهود الإنسانية الدولية، والتنسيق الدائم مع المنظمات الإغاثية وتسهيل عمل أطقمها وحمايتهم في مختلف المناطق.

ومع يقيني بأن تأثير التقرير، يبدو محدودًا أمام ما يعرفه العالم عن العصابات الحوثية، وما يتابعه من جرائمها اليومية ، فإن التصدي له يعد واجبًا علينا جميعًا، حتى لا يتحول مع الوقت إلى سلاح بيد المنظمات المشبوهة، التي تبحث عن أي شيء يسيء إلى السعودية وأشقائها، لا يهمها في ذلك غير الفوز برضا الممولين والداعمين و..”أصحاب الهوى”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *